جلال الدين الرومي
471
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
واحدة ، ولا يوجد « أنا » أو « أنت » فكلاهما واحد كيف ذلك ؟ يضرب مولانا الأمثال من الحياة اليومية ، فكما أنك ترى في النوم وتسمع وتسعى دون أن يبدر منك شئ من ذلك في الحياة الواقعية ، فالعلاقة مع الحق سبحانه وتعالى علاقة داخلية لا شئ منها مطروح في العالم الخارجي فإنك إذن إذا تنبهت إلى هذا الباطن فسوف تدرك أنك « ملك » وحدك وعالم عميق ، عالم صغير انطوى فيك العالم الأكبر ، وما فيك قوى هو هذه الذاتية ذات الأعمال والدهاليز والسراديب ( ذات التسعمائة طية ) ، لقد شبهت هذا السير الباطني بالنوم ، وهو سواه . فاصمت إذن والله أعلم بالصواب . ( 1306 - 1331 ) اصمت إذن ، واترك الفرصة للمتحدثين الذين يعلمون أسرار الغيب عن طريق كوة القلب أو عن طريق عناية الله ولطفه ، إنهم الشموس الساطعة ، والأرواح ذات الرابطة المباشرة مع الحق ، وما دمت مع رجال الحق ، فدعك من أنيتك ، ولا تظهر العلم بالسباحة ما دمت في سفينة نوح ، لقد أعطاك الله طريق النجاة فما لك أنت والبحث مالك والجدل ؟ وإن فعلت فأنت مثل كنعان : لقد كانت السفينة أمامه ، لكنه تنفج بالقدرة على السباحة ، وما سباحته وسعيه وجهده وكده إلا كضوء شمعة خافتة أمام هذه الرياح الصرصر ، وما الجبل الذي يريد أن يأوى إليه والجبال في ذلك اليوم كأنها قشة أمام ذلك الطوفان المهلول ؟ وما هذا الدلال المقيت أمام من لا والد له ولا ولد ولا صاحبة ولا شريكة ؟ إن كل إلا اتى الرحمن عبدا ، لكن الإدبار يضع الأختام على قلوب المدبرين وأسماعهم . هذا الحوار بين نوح عليه السلام وبين ولده كنعان ، هذا الحوار الحي المفعم بالحرارة والحياة نموذج يقدمه مولانا جلال الدين كثيرا ، فمهما كان هناك من ناصح ، فإن نصحه لا يجدى مع من لا يريد الله له الهداية ، فالمهم العناية الربانية ، هي التي تجعل نصح الناصح ذا فائدة وأثر . ( 1332 - 1355 ) بعد غرق كنعان ، يتوجه نوح بقلب ملىء بالألم إلى الله